كهوف فاردزيا: المدينة السرية المنحوتة في قلب الجبال
مقدمة
في أعماق جبال جورجيا، مخبأة بين الصخور الوعرة، تمتد كهوف فاردزيا كواحدة من أعظم العجائب المعمارية في العصور الوسطى. هذه المدينة الحجرية ليست مجرد كهوف منحوتة في الجبل، بل حصنٌ، ودير، وملاذٌ خفي شهد على مجد مملكة جورجيا القديمة. فما سر هذه المدينة العجيبة؟ وكيف استطاعت الصمود عبر الزمن؟
ولادة مدينة داخل الجبل
يعود تاريخ كهوف فاردزيا إلى القرن الثاني عشر، حين أمرت الملكة تامار، أول ملكة حاكمة لجورجيا، ببناء مدينة سرية داخل الجبل لحماية شعبها من الغزاة. لم تكن مجرد مجموعة كهوف، بل كانت مملكة مخفية، تحتوي على أكثر من 6,000 غرفة موزعة على 13 طابقًا، تضم كنائس، مخازن، أنفاق سرية، وقاعات للاجتماعات.
لكن في عام 1283، ضرب زلزال مدمر المنطقة، مما أدى إلى انهيار أجزاء كبيرة من الكهوف وكشف المدينة للعالم الخارجي. رغم ذلك، لا تزال فاردزيا تحتفظ بسحرها وغموضها، وكأنها قصة لم تكتمل بعد.
رحلة داخل المدينة الصخرية
1. دير فاردزيا المخفي
في قلب الكهوف، يوجد ديرٌ ما زال مأهولًا بالرهبان حتى اليوم، حيث يحتفظون بتقاليدهم القديمة في الزهد والتأمل. أهم ما يميز الدير هو كنيسة السيدة العذراء، التي تضم جدرانًا مغطاة بلوحات جدارية مذهلة تعود إلى القرن الثاني عشر، تصور الملكة تامار ووالدها الملك جورجي الثالث، مما يجعلها واحدة من أندر اللوحات الملكية في جورجيا.
2. الأنفاق السرية والممرات الملتوية
تحتوي الكهوف على نظام أنفاق معقد يربط الغرف ببعضها البعض، وكان يُستخدم كوسيلة للهروب في حالة الحصار. بعضها ضيق لدرجة أنك تحتاج إلى الزحف للعبور، بينما تمتد أخرى لمسافات طويلة تؤدي إلى أجزاء مجهولة داخل الجبل.
3. الخزانات والنظام الهندسي الفريد
من المدهش أن فاردزيا كانت تحتوي على نظام ري متقدم، حيث تم نحت قنوات صغيرة في الصخور لنقل المياه العذبة إلى جميع أنحاء المدينة. لا تزال بعض هذه القنوات تعمل حتى يومنا هذا، مما يثبت عبقرية الهندسة الجورجية في العصور الوسطى.
الأساطير الغامضة حول فاردزيا
تقول الأسطورة أن الملكة تامار كانت تلعب في الجبل عندما ضلت طريقها داخل الكهوف. وعندما سألها جنودها عن مكانها، صرخت قائلة “أكو فار، دزيا!”، والتي تعني في الجورجية “أنا هنا، عمي!”. ومن هنا جاء اسم فاردزيا.
هناك أيضًا اعتقاد بأن أجزاء من المدينة لا تزال مخفية داخل الجبل، ولم يتم اكتشافها بعد، مما يزيد من غموض المكان وسحره.
لماذا يجب عليك زيارة فاردزيا؟
زيارة كهوف فاردزيا ليست مجرد رحلة إلى موقع تاريخي، بل هي تجربة سفر عبر الزمن. عندما تمشي في ممراتها الصخرية، ستشعر وكأنك تستكشف مدينة منسية منذ قرون، وستتخيل كيف كانت الحياة داخل هذه الجدران الحجرية، حيث عاش الجنود والرهبان والملوك في انسجام مع الجبل.
خاتمة
كهوف فاردزيا ليست مجرد بقايا حجرية، بل قصة محفورة في الصخر، تروي مجد حضارة قاومت الغزوات وصمدت أمام الطبيعة. إنها واحدة من أكثر الوجهات الغامضة في جورجيا، حيث يلتقي التاريخ بالأسطورة، والجمال بالدهشة.